أبي بكر الكاشاني
123
بدائع الصنائع
وروى عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها انها قالت كان يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولى الإربة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال لا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخل عليكن فحجبوه وكذا روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة رضي الله عنها وعندها مخنث فاقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله ان فتح الله عليكم غدا الطائف دللتك علي بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال عليه الصلاة والسلام لا أرى يعرف هذا ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا إذا بلغ الأجنبي مبلغ الرجال فإن كان صغيرا لم يظهر على عورات النساء ولا يعرف العورة من غير العورة فلا بأس لهن من ابداء الزينة لهم لقوله جل وعلا أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء مستثنى من قوله عز شأنه ولا يبدين زينتهن الا لمن ذكر والطفل في اللغة الصبي ما بين أن يولد إلى يحتلم وأما الذي يعرف التمييز بين العورة وغيرها وقرب من الحلم فلا ينبغي لها أن تبدي زينتها له ألا ترى ان مثل هذا الصبي أمر بالاستئذان في بعض الأوقات بقوله تبارك وتعالى والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات الا إذا لم يكونا من أهل الشهوة بأن كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما وروى أن أعميين دخلا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده بعض أزواجه سيدتنا عائشة وأخرى فقال لهما قوما فقالتا انهما أعميان يا رسول الله فقال اعميا وان أنتما هذا حكم النظر إلى الوجه والكفين وأما حكم مس هذين العضوين فلا يحل مسهما لان حل النظر للضرورة التي ذكرناها ولا ضرورة إلى المس مع ما ان المس في بعث الشهوة وتحريكها فوق النظر وإباحة أدنى الفعلين لا يدل على أعلاهما هذا إذا كان شابين فإن كانا شيخين كبيرين فلا بأس بالمصافحة لخروج المصافحة منهما من أن تكون مورثة للشهوة لانعدام الشهوة وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصافح العجائز ثم إنما يحرم النظر من الأجنبية إلى سائر أعضائها سوى الوجه والكفين أو القدمين أيضا على اختلاف الروايتين إذا كانت مكشوفة فاما إذا كانت مستورة بالثوب فإن كان ثوبها صفيقا لا يلتزق ببدنها فلا بأس أن يتأملها ويتأمل جسدها لان المنظور إليه الثوب دون البدن وإن كان ثوبها رقيقا يصف ما تحته ويشف أو كان صفيقا لكنه يلتزق ببدنها حتى يستبين له جسدها فلا يحل له النظر لأنه إذا استبان جسدها كانت كاسية صورة عارية حقيقة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الكاسيات العاريات وروى عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها انها قالت دخلت على أختي السيدة أسماء وعليها ثياب شامية رقاق وهي اليوم عندكم صفاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ثياب تمجها سورة النور فامر بها فأخرجت فقلت يا رسول الله زارتني أختي فقلت لها ما قلت فقال يا عائشة ان المرأة إذا حاضت لا ينبغي أن يرى منها الا وجهها وكفاها فان ثبت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام كان تفسيرا لقوله عز وجل الا ما ظهر منها فدل على صحة الرواية ان الحرة لا يحل النظر منها الا إلى وجهها وكفيها والله سبحانه وتعالى أعلم ( وأما ) النوع السابع وهو ذوات الرحم بلا محرم فحكمهن حكم الأجنبيات الحرائر لعموم الامر بغض البصر والنهى عن ابداء زينتهن الا للمذكورين في محل الاستثناء وذو الرحم بلا محرم غير مذكور في المستثنى فبقيت منهية عن ابداء الزينة له والله سبحانه وتعالى أعلم ( وأما ) الثاني وهو ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من الرجل فنقول وبالله التوفيق يحل للرجل أن ينظر من الرجل الأجنبي إلى سائر جسده الا ما بين السرة والركبة الا عند الضرورة فلا بأس أن ينظر الرجل من الرجل إلى موضع الختان ليختنه ويداويه بعد الختن وكذا إذا كان بموضع العورة من الرجل قرح أو جرح أو وقعت الحاجة إلى مداواة الرجل ولا ينظر إلى الركبة ولا بأس بالنظر إلى السرة فالركبة عورة والسرة ليست بعورة عندنا وعند الشافعي على العكس من ذلك والصحيح قولنا لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما تحت السرة عورة والركبة ما تحتها فكانت عورة الا ان ما تحت الركبة صار مخصوصا فبقيت الركبة تحت العموم ولان الركبة عضو مركب من عظم الساق والفخذ على وجه يتعذر تمييزه والفخذ من العورة والساق ليس من العورة فعند الاشتباه يجب العمل بالاحتياط وذلك فيما قلنا بخلاف السرة لأنه اسم لموضع